ابن أبي الحديد
57
شرح نهج البلاغة
يحمل على من بإزائه ( 1 ) ، فتجالدوا بالسيوف ، وعمد الحديد لا يسمع إلا صوت ضرب الهامات ، كوقع المطارق على السنادين ، ومرت الصلوات كلها ، فلم يصل أحد إلا تكبيرا عند مواقيت الصلاة ، حتى تفانوا ، ورق الناس ، وخرج رجل من بين الصفين ، لا يعلم من هو ، فقال : أيها الناس ، أخرج فيكم المحلقون ؟ فقيل : لا فقال إنهم سيخرجون ، ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمر من الصبر ، لهم حمة كحمة الحيات . ثم غاب الرجل فلم يعلم من هو ( 2 ) ! قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر ، عن السدى ، قال : اختلط أمر الناس تلك الليلة ، وزال أهل الرايات عن مراكزهم ، وتفرق أصحاب علي عليه السلام عنه ، فأتى ربيعة ليلا ، فكان فيهم ، وتعاظم الامر جدا ، وأقبل عدى بن حاتم يطلب عليا عليه السلام في موضعه الذي تركه فيه فلم يجده ، فطاف يطلبه ، فأصابه بين رماح ربيعة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أما إذ كنت حيا ، فالامر أمم ، ما مشيت إليك إلا على قتيل ، وما أبقت هذه الوقعة لهم عميدا ، فقاتل حتى يفتح الله عليك ، فإن في الناس بقية بعد . واقبل الأشعث يلهث جزعا ، فلما رأى عليا عليه السلام هلل فكبر ، وقال : يا أمير المؤمنين ، خيل كخيل ورجال كرجال ، ولنا الفضل عليهم إلى ساعتنا هذه فعد إلى مكانك الذي كنت فيه ، فإن الناس إنما يظنونك حيث تركوك . وأرسل سعيد بن قيس الهمداني إلى علي عليه السلام : إنا مشتغلون بأمرنا مع القوم ، وفينا فضل ، فإن أردت أن نمد أحدا أمددناه . فأقبل علي عليه السلام على ربيعة ، فقال : أنتم درعي ورمحي - قال : فربيعة تفخر بهذا الكلام إلى اليوم - فقال عدى بن حاتم : يا أمير المؤمنين ، إن قوما أنست بهم ، وكنت في هذه الجولة
--> ( 1 ) صفين : " فحمل الناس على راياتهم كل قوم بحيالهم " . ( 2 ) صفين 447 ، 448 .